استراتيجية رياضية قد تُغيِّر طريقة إجراء اختبارات كورونا 

توفيرًا للوقت والمال، تستعين دول عديدة بتقنية “الاختبار الجماعي”، التي تقوم على فحص العينات المأخوذة من عدة أشخاص دفعةً واحدة.

سمريتي مالاباتي

Nature (2020)

doi:10.1038/d41586-020-02053-6

English article

 

يمكن دمج مسحات الأنف أو الحلق المأخوذة من عدة أشخاص في اختبار واحد.

يمكن دمج مسحات الأنف أو الحلق المأخوذة من عدة أشخاص في اختبار واحد.

Nicolas Asfouri/AFP/Getty

يرى العلماء أن من الضروري إجراء الفحوص التشخيصية على نطاقٍ واسع؛ من أجل السيطرة على انتشار فيروس كورونا الجديد، ولكنْ هناك مناطق كثيرة تعاني من نقص في المواد الكيميائية اللازمة لإجراء مثل هذه الفحوص. ويسعى الباحثون جاهدين لابتكار فحوص أسرع، وأسهل استخدامًا. وقد شرع المسؤولون في عدة بلدان في الاستعانة باستراتيجية كانت قد طُرحت لأول مرة أثناء الحرب العالمية الثانية؛ ألا وهي استراتيجية الفحص الجماعي. فمِن خلال جمْع عينات من أشخاصٍ عدَّة، وفقًا لما ذكره باحثون، يمكن بهذه الطريقة توفير الوقت، والكواشف الكيميائية، والمال.

ويقول روي كيشوني، عالِم النظم البيولوجية في معهد إسرائيل للتكنولوجيا (التخنيون) بمدينة حيفا: “في ظل تفشِّي الوباء الحالي، ثمة حاجة إلى إخضاع عدد ضخمٍ من الحالات للفحص؛ ما يجعل الاختبارات الجماعية خيارًا جذابًا”. وبالفعل، تنتهج كلٌّ من الصين، والهند، وألمانيا، والولايات المتحدة هذا النهج في الفحص.

وثمة طرائق متعددة لإجراء الاختبارات الجماعية، ويعكف العلماء في عدة دول على تجريب أفضل طريقة لإجراء هذه الفحوص لدى وقوع جائحة ما. وهُم في ذلك يستقون أفكارهم -بصفة عامة- من أحد مجالات الرياضيات، له تطبيقات واسعة في إيجاد حلول لكثيرٍ من المشكلات، بدءًا من اكتشاف المصابيح المَعِيبة في أشجار الكريسماس، وصولًا إلى تقدير نسبة انتشار فيروس نقص المناعة البشرية وسط مجموعة من السكان. ويعلِّق درور بارون -عالِم المعلومات بجامعة ولاية نورث كارولينا في مدينة رالي- قائلًا: “في الفترة الماضية، شهد هذا المجال موجة من الابتكارات”.

البداية مع الزهري.. الطريقتان الأولى والثانية

جاءت أسهل استراتيجية للاختبارات الجماعية من اقتراح طرَحَه الاقتصادي روبرت دورفمان في أربعينات القرن العشرين، لفحص الجنود، وكشف إصابتهم بمرض الزهري.

وفقًا لهذه الطريقة، يُخلط عدد متساوٍ من العينات، المأخوذة من مسحات الأنف والحلق في حالة فيروس “سارس-كوف-2” SARS-CoV-2، ثم تُختبر هذه العينات دُفعةً واحدة (انظر: الطريقة الأولى من “الاختبارات الجماعية”). وبعد ذلك، تُستبعد مجموعات العينات التي تَخرُج نتيجتها سلبية، ولكن إذا ظهرت نتيجة إيجابية في مجموعة ما، يُعاد إجراء الاختبار لجميع العينات، كلٍّ على حِدة. ويقدِّر الباحثون أنسب حجم للمجموعة -أي المجموعة التي تتطلّب إجراء أقل عدد من الاختبارات- بناءً على نسبة انتشار الفيروس في المجتمع المحلي.

كبر الصورة

وقد استعان المسؤولون في مدينة ووهان الصينية بالطريقة الأولى في شهر مايو الماضي، في إطار جهودهم الرامية إلى اختبار الغالبية العظمى من سكان المدينة، إذ وصل عدد الأشخاص الذين خضعوا للفحص إلى حوالي 10 ملايين شخص خلال فترة تزيد قليلًا على أسبوعين فقط، من بينهم 2.3 مليون شخص تقريبًا خضعَتْ عيِّناتهم للاختبارات الجماعيّة، بواقع حوالي 5 عيّنات في كل مجموعة، وأمكن رَصْد 56 شخصًا مصابًا.

ويرى الباحثون أنَّ هذه الطريقة تعمل بأقصى كفاءة ممكنة حينما تكون معدلات الإصابة منخفضة، أي حوالي 1% من السكان؛ حيث إنّ نتيجة الاختبارات الجماعية في هذه الحالة ستكون -على الأرجح- سلبية، الأمر الذي يعفي الجهات المعنيَّة من إجراء اختبارات فردية على أعداد كبيرة من الأشخاص.

وحول هذا الشأن، علَّق كريشنا نارايانان، عالِم نظرية المعلومات بجامعة تكساس إيه آند إم في مدينة كوليدج ستيشن، قائلًا: “لعلَّ هذه هي الطريقة الأسهل”، ولكنْ ثمة طرق أكفأ لتصميم المرحلة الثانية من الاختبارات، بدلًا من اختبار كل شخص على حدة، على حدِّ قوله.

وثمة نسخة أكثر تطورًا، تتضمَّن إضافة المزيد من المراحل للاختبارات الجماعية (انظر الطريقة الثانية من “الاختبارات الجماعية”)، علمًا بأنَّ إضافة المراحل تقلل عدد الأشخاص الواجب إخضاعهم للاختبار الفردي، لكنّ هذا المنهج يعني الانتظار لعدة ساعات، حتى يتسنى الحصول على نتائج كل اختبار جماعي، على حد قول ويلفريد نديفون، اختصاصي علم البيولوجيا النظرية بالمعهد الأفريقي لعلوم الرياضيّات بمدينة كيجالي في رواندا، الذي يضيف قائلًا: “نواجه مرضًا سريع النمو والانتشار؛ ولذا.. فإننا بحاجة إلى التوصُّل إلى النتائج على نحو أسرع مما تسمح به هذه الطريقة”.

أبعاد متعددة.. الطريقة الثالثة

طوَّر نديفون وزملاؤه استراتيجية دورفمان، ويعتزمون إجراء تجربة في رواندا، من شأنها أن تؤدي في نهاية المطاف إلى تقليل عدد الاختبارات اللازمة للكشف عن الفيروس. والمُلاحَظ أن المرحلة الأولى من هذه الطريقة في إجراء الاختبارات الجماعية تتماثل مع استراتيجية دورفمان، أما بالنسبة إلى المجموعات التي تُظهِر نتائج إيجابية، فإن هذا الفريق البحثي يقترح إجراء مرحلة ثانية، بغرض تقسيم العينات بين المجموعات المتداخلة.

تخيَّل أنَّ لديك مصفوفةً مربعة الشكل، مكوَّنةً من تسع وحدات، تُمثّل كل وحدة منها مسحة مأخوذة من شخص واحد (انظر الطريقة الثالثة من “الاختبار الجماعي”). يجري اختبار العينات التي تقع في كل صف عرضي باعتبارها مجموعة واحدة، وكذلك تمثل العينات الواقعة في كل عمود مجموعة واحدة، فيكون مجموع الاختبارات ستة؛ إذ تقع كل عينة داخل مجموعتين، فإذا احتوَتْ إحدى العينات على الحمض النووي الريبي الفيروسي الخاص بفيروس “سارس-كوف-2″، فسوف تكون نتيجة كلا الاختبارين الجماعيين إيجابية، مما يُسهِّل تحديد الشخص المصاب. وقد ضمَّن الباحثون توصيفًا لهذه الفكرة في ورقة بحثية نُشرت على خادم المسوَّدات البحثية “أركايف” arXiv في الثلاثين من إبريل الماضي (L. Mutesa et al. Preprint at https://arxiv.org/abs/2004.14934; 2020).

إنَّ زيادة عدد الأبعاد، من مربع إلى مكعب مثلًا، تتيح للمجموعة حجمًا أكبر، ونتائج أكثر فعالية، على حد قول نيل توروك، عالِم الفيزياء النظرية بجامعة إدنبرة في المملكة المتحدة، المشارك في وضع البحث المذكور.

ويقول نديفون، وهو عضو مشارك في فريق العمل المعنِيّ بالتعامل مع مرض “كوفيد-19” COVID-19 في رواندا، إن الاختبارات الجماعية تمثل جانبًا من استراتيجية الحكومة، الرامية إلى سرعة تحديد المصابين بالمرض، وعزلهم. وحسب تقديرات نديفون وزملائه، يمكن لطريقتهم أن تخفض تكلفة الاختبار للفرد الواحد من 9 دولارات إلى 75 سنتًا. ويُجرِي الباحثون تجارب مختبرية، يسعون من خلالها إلى تحديد عدد العينات التي يمكن دمجها عمليًّا في الاختبارات الجماعية، دون إخلالٍ بالقدرة على كشف العيّنات الإيجابية. ويصرح ليون موتيسا -عالِم الجينات بجامعة رواندا في كيجالي، الذي شارك في البحث محل النظر، ويعمل كذلك عضوًا بفريق عمل الحكومة- أنه قد تمكَّن من تحديد عينة إيجابية في المختبر، من بين مجموعة قوامها مئة عينة.

أما سيجرون سمولا، عالمة الفيروسات الجزيئية بالمركز الطبي التابع لجامعة سارلاند في مدينة هامبورج الألمانية، التي تعكف على فحص مجموعات من العينات، تشتمل المجموعة الواحدة على ما يصل إلى 20 عينة، فتُوصِي بألا يضم الاختبار الجماعي الواحد أكثر من 30 عينة، وذلك لضمان توفُّر الدقة الكافية. فإذا ما زاد حجم المجموعة عن هذا الحد، فسوف يكون اكتشاف الفيروس في العيّنات أصعب، كما ستزيد احتمالية إغفال العيّنات الإيجابية، على حد قولها. وفضلًا عن ذلك، تنظر سمولا بعينٍ مُتشككة إلى إمكانية التطبيق العملي لتقنية التقسيم إلى مكعبات، وتضيف قائلة: “إذا عرضْتَ هذه التقنية على أحد الفنّيين، سيكون رده: “ما كل هذه الفوضى! نريد نظامًا بسيطًا””.

ومن جانبه، أفاد نديفون بأن فريقه يعتزم تطوير أداةٍ برمجية تهدف إلى أتمتة عملية تقسيم العينات في مجموعات.

حل الخطوة الواحدة.. الطريقة الرابعة

يرى بعض الباحثين أنه حتى إذا كان الاختبار يتألف من مرحلتين، فإن هذا يبقى أكثر مما ينبغي، في خضم السعي إلى التصدي لفيروس سريع الانتشار، مثل “سارس-كوف-2”. ففي هذه الحالة، سيتوجب على فنيّي المختبر أن ينتظروا خروج نتائج المرحلة الأولى، وهو ما يبطئ سير العملية ككل، على حد قول مانوج جوبالكريشنان، اختصاصي علوم الحاسوب في المعهد الهندي للتكنولوجيا، الواقع في مدينة مومباي.

وعوضًا عن ذلك، يقترح جوبالكريشنان إجراء جميع الاختبارات في مرحلة واحدة فقط، مع وجود الكثير من المجموعات المتداخلة. ومن شأن هذا أن يزيد عدد الاختبارات، غير أنه سيوفر الوقت، على الرغم من أن مرحلة الإعداد الأولية تستغرق وقتًا طويلًا، لأن مزيدًا من المجموعات يعني المزيد من العينات التي يجب سَحْبها.

تشتمل طريقة جوبالكريشنان على مزج العينات في مجموعات مختلفة، باستخدام تقنية العدّ، المعروفة باسم “ثلاثيات كيركمان” Kirkman triples، التي تضع قواعد توزيع العينات. تخيل مصفوفةً مستوية؛ كل صف عرضي فيها يمثل اختبارًا واحدًا، وكل عمود طوليٍّ يمثل شخصًا واحدًا (انظر: الطريقة الرابعة من “الاختبار الجماعي”). وبوجه عام، ينبغي أن يشتمل كل اختبار على العدد نفسه من العينات، وينبغي كذلك أن تخضع عينة كل شخص للعدد نفسه من الاختبارات.

بيد أن نارايانان يقول إن الطُّرُق أحادية المرحلة تتطلب إجراء مزيد من الاختبارات؛ لضمان مستوى الدقة نفسه الذي يتيحه الاختبار الجماعي متعدد المراحل، كما إنّ هذه الطرق تستلزم التعامل مع عينات كثيرة دفعة واحدة، الأمر الذي قد يؤدي إلى وقوع بعض الأخطاء.

ومن أجل تبسيط هذه العملية، طوَّر جوبالكريشنان وزملاؤه تطبيقًا على الهواتف الذكية، يرشد المستخدمين إلى الطريقة الصائبة لمزج العينات. وفي نتائج لم تُنشر بعد، مأخوذة من تجارب إكلينيكية، أُجريت في مومباي، وبنجالورو، وثالاسيري في الهند، يقول جوبالكريشنان إن هذه الطريقة قد نجحَتْ في رصد 5 عينات إيجابية، من إجمالي 320 عينة، باستخدام 48 اختبارًا فقط.