“تويتر” و”فايسبوك”.. فائض القوة يُسكت ترامب تحسباً!

فجرت هجمة أنصار الرئيس الاميركي دونالد ترامب، على مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني/ يناير، جدلاً واسعاً حول هوامش حرية التعبير، ومدى الرقابة والمنع اللذين يمكن أن تمارسهما إدارات وسائل التواصل الإجتماعي ومنصاتها الأشهر

وضع قرار “تويتر” و”فايسبوك” وملحقاته بإغلاق حسابات ترامب، تحت مسوغ التحريض على العنف، هاتين المنصتين أمام مساءلة، لا إعتراضاً على إغلاق الحسابات، وهو أمر مرحب به برغم إعتراض البعض، وإنما على توقيت الخطوة، ومدى جدية التزام هذه المنصات بتطبيق المعايير التي وضعتها، وألزمت كل المستخدمين بالموافقة عليها قبل السماح لهم بإستخدامها، وهي معايير تقوم نظرياً على مبدأ حماية المصلحة العامة ونبذ العنف والكراهية والعنصرية ومنع بث وتعميم الأخبار الملفقة والكاذبة

وقد حظرت منصة “فايسبوك” و”إنستغرام” التابعة لها حسابات ترامب إلى ما بعد تنصيب الرئيس المقبل للولايات المتحدة جو بايدن في 20 كانون الثاني/ يناير الحالي. أما “تويتر” فقد أوقف حسابات ترامب بشكل نهائي، ومن ضمنها حساب POTUS الخاص بـ”رئيس الولايات المتحدة” الذي أنشأه سلفه باراك اوباما، وورثه ترامب مع متابعيه، بعد أن حاول الالتفاف على قرار الحظر بإستخدام صفحة الرئاسة لإستكمال هذيانه الانتخابي. وأعلن “تويتر” أن فريقه يقوم حالياً بمراقبة كل الحسابات الرسمية التابعة للرئاسة والحكومة الاميركيتين، وأنه سيقوم بإعادة حساب الرئاسة إلى جو بايدن وفريقه بعد تسلم الرئيس المنتخب منصبه، ولكن مع صفر متابعين

أداء “تويتر” الذي إتسم بأنه أكثر جرأة من “فايسبوك” في مواجهة ترامب، ظهر إلى العلن منذ أيار/ مايو الماضي، حين شكّكت المنصة بمصداقية تغريدات الرئيس الأميركي المتعلقة بتزوير الإنتخاب البريدي، ووضعت حينها تحذيراً تحت التغريدة، في إشارة إلى إفتقاد المعلومات الواردة فيها للحقائق الثابتة. ما دفع “تويتر” الى التحرك الحازم في مواجهة ترامب، هو أن حجم متابعيه على هذه المنصة وصل إلى 88 مليون متابع، متفوقاً بكثير على عدد متابعيه على “فايسبوك” (35 مليون متابع). وبالتالي، فإن “تويتر”، وأمام حجم التأثير الذي وصلت إليه تغريدات ترامب المتفلتة من عقالها، إستجاب للدعوات التي طالبته بتطبيق معايير الاستخدام التي وضعها، من دون إستثناء. أما “فايسبوك” فبدا أكثر تحفظاً، وإنتظر مصادقة الكونغرس على فوز جو بايدن بالإنتخابات الرئاسية، ليتخذ قرار حظر ترامب في الأيام القليلة المتبقية من رئاسته

ولم تلجأ هاتان المنصتان إلى الحظر إلا في اللحظة المناسبة، أي لحظة هزيمة ترامب.. فهاتان الشركتان العالميتان، لكن الأميركيتين بالأساس، قد خاضتا العديد من جولات المساءلة مع الكونغرس الأميركي بشأن معايير حماية خصوصية المستخدمين، وذلك في ضوء التحقيقات حول تدخل الإستخبارات الروسية في الإنتخابات الرئاسية عام 2016، وإستخدامها منصات التواصل الاجتماعي لهذا الغرض

وعليه، تبدو إجراءات إدارات هذه المنصات كمن يحاذر أي خطر قد تشكله الإدارة الأميركية الجديدة وداعميها من المشرعين في الكونغرس، لا سيما أن وسائل إعلام أميركية بارزة مثل “CNN” و”NBC” قد أشارت إلى أن المتظاهرين الذين إقتحموا مبنى الكابيتول تمكنوا من تنظيم أنفسهم وتجمعاتهم عبر وسائل التواصل الإجتماعي

هكذا، إقترن إسم وسائل التواصل الاجتماعي بمحاولات الإنقضاض على الديموقراطية في البلاد، وهذا ما لم يكن بإمكان هذه الشركات أن تبقى مكتوفة الأيدي تجاههلقد قدمت الشركتان نفسيهما كمدافعتين عن الديموقراطية الاميركية، ولكن كان الاحرى بهما وقف ترامب عندما كان يهذي عنصريةً وتحريضاً ضد السود في الولايات المتحدة. لو فعلتا ذلك لأقنعتا الجمهور أن ما قامتا به الآن هو فعل حماية للمصلحة العامة، لا مجرد ردة فعل خوفاً على علامة تجارية وفي لحظة سياسية مؤاتية!

لقد أظهرت تجارب سابقة أن هذه الوسائل لا تتحرك بفعل إستباقي، بل كردة فعل على فعل ما، وردة الفعل لا تأتي إلاّ إذا أُثير الفعل وعُمّم في الحيز العام، وهناك العديد من الأمثلة. لنأخذ مسألة خاصية المباشر على “فايسبوك”: تم التنبيه لخطورة هذه الخاصية إذا لم يتم وضع ضوابط لها في خرق معايير السلامة العامة، وحماية الأفراد لا سيما القُصّر منهم، وبث الآراء العنصرية، والتحريض على العنف. صدر التنبيه عن العديد من الهيئات الناظمة للاعلام في أوروبا، لكن إدارة “فايسبوك” غالباً ما كانت تقلل من إمكانية حدوث ذلك، بفضل وجود برمجة رقمية خاصة، تراقب وتوقف مثل هذا البث، حتى جاءت حادثة نيوزيلندا لتثبت العكس (القتل بالبث المباشر). حينذاك، تحركت إدارة “فايسبوك” وسرّعت العمل على تعديل شكل الاستخدام وإستحداث رمزيات مراقبة أكثر فعالية وجدية. كذلك إستحدثت المنصة لجاناً مهمتها متابعة كيفية التعامل مع خطاب الكراهية، بعدما إتُهمت بترويج خطاب الكراهية ضد أقلية الروهينغا المسلمة في ميانمار. ومع إنتشار وباء كورونا، برزت الحاجة إلى مواجهة إنتشار الأخبار الكاذبة عبر هذه الوسائل

إزاء كل ذلك، فعَّلت “تويتر” خاصية التحذير والالغاء، (هذا ما حصل مع ترامب)، ووضعت “واتساب” حداً لعدد المشاركات، وفعّلت “فايسبوك” خاصية التحذير قبل المشاركة. كل هذا أتى كردة فعل للحفاظ على ديمومة عمل هذه الشركات العملاقة وإنتشارها وأرباحها

لم يكن لـ”تويتر” و”فايسبوك” لاحقا، أن تستشعرا بالخطر الوجودي، لو لم تتحركا للجم ترامب وتجريده من مساحة التحريض والجنون اليومي. لقد قدمت الشركتان نفسيهما كمدافعتين عن الديموقراطية الاميركية، ولكن كان الأحرى بهما وقف ترامب عندما كان يهذي عنصريةً وتحريضاً ضد السود في الولايات المتحدة. لو فعلتا ذلك لأقنعتا الجمهور أن ما قامتا به الآن هو فعل حماية للمصلحة العامة، لا مجرد ردة فعل خوفاً على علامة تجارية وفي لحظة سياسية مؤاتية!.

إن محاولة وضع قيود على وسائل التواصل الاجتماعي للجم أي خطاب أو مشاركة تساهم في أذية الأفراد لا سيما القُصّر منهم، على أسس دينية أو عنصرية أو جنسية أو عرقية أو إجتماعية، باتت أمراً واقعاً في أوروبا. وقد بادر الإتحاد الأوروبي في كانون الأول/ ديسمبر 2020 إلى وضع إصلاحات تتناول تنظيم الفضاء الإفتراضي. وما هو غير قانوني وغير مسموح به في الواقع سيكون غير مسموح به في الفضاء الافتراضي. لكن يبدو أن الولايات المتحدة التي لطالما دافعت عن كل إساءة بالتلويح بالفصل الأول من الدستور الذي يمنح الحرية التامة للتعبير من دون قيود أو حدود، قد خاضت إمتحانها الداخلي الأول حول مدى القدرة على تقبل ان التحريض الذي جرى وما خلّفه من أذى لا يندرج في خانة حرية التعبير، وأن السماح لترامب بالإستمرار في إستخدام هذه المنصات واجهة للانقلاب على العملية الديموقراطية بسسب خسارته الإنتخابية، هو أمرٌ لا تستطيع النخبة السياسية في الولايات المتحدة تحمل أوزاره، ولعل إجراءات الأيام الأخيرة لـ”تويتر” و”فايسبوك” تندرج في هذا السياق، في محاولة منهما لتجنب إجراءات تحد من قوتهما الفائضة إلى حد ممارسة سلطة فوق رئيس أقوى دولة في العالم

“تويتر” و”فايسبوك”.. فائض القوة يُسكت ترامب تحسباً!

 

زاهرة حرب
    أستاذة في جامعة سيتي، بريطانيا

%d bloggers like this: