عندما التقت فيزياء الكمّ بالطب النفسي

يوضّح كِتاب بول هالبرن كيف تبادَل كارل يونج، وفولفجانج باولي الأفكار

آنيل أنانثاسوامي

Nature (2020)

doi:10.1038/d41586-020-02456-5

English article

ناقش المحلل النفسي كارل يونج (إلى اليسار)، وعالِم الفيزياء فولفجانج باولي مبدأ الارتباطات اللاسببية.

ناقش المحلل النفسي كارل يونج (إلى اليسار)، وعالِم الفيزياء فولفجانج باولي مبدأ الارتباطات اللاسببية

Credit: ETH-Bibliothek Zürich/SPL, Bettman/Getty

التزامن: رحلة السعي الملحمية لسبر أغوار كنه العلاقة بين السبب، والنتيجة

بول هالبرن

دار نشر بيزك (2020)

دائمًا ما يبحث رواة قصص الفيزياء الحديثة عن أساليب مبتكرة لتجسيد الخلاف بين الحقائق المتباينة لكلّ من النظرية العامة للنسبية، وميكانيكا الكَمّ. فالنسبية تقول إن أي نتيجة في الكون لا بد أن يسبقها سبب، وأنه لا يوجد في الكون شيء يستطيع الحركة بسرعة أسرع من الضوء. أما فيزياء الكَمّ، فترى عالَمًا أشدّ غرابةً، يبدو أن الأشياء تحدث فيه بشكل عشوائي، وأن الروابط تحدث فيه بشكل آني. كلتا النظريتين تمثل تحديًا لمفاهيمنا البديهية.

ولسبر أغوار هذه الفكرة، يسترشد عالِم الفيزياء النظرية بول هالبرن بعلاقة جمعت بين اثنين من العلماء. ففي كتاب “التزامن” Synchronicity، يوضح هالبرن كيف لجأ عالِم الفيزياء النمساوي فولفجانج باولي، حين كان يعاني من الاضطراب الشديد والإفراط في تناول الكحول بعد طلاقه في عام 1930، إلى المحلل النفسي السويسري كارل يونج للعلاج. وبطبيعة الحال، تعلّم يونج عن فيزياء الكمّ، وعرف كيف أن قياس حالة أحد الجزيئات يمكن أن يؤثر على حالة جزيء آخر على الفور، وهي خاصية تعرف باسم “التشابك”. قبل لقاء باولي، كان يونج قد صاغ مصطلح “التزامن” لوصف فكرة الارتباطات اللاسببية. كان يبحث عن تفسير لفكرته عن اللاوعي الجماعي للتجربة البشرية، وتأثيره على الأحلام، والأفكار، والسلوكيات. وبمساعدة يونج، استطاع باولي استحضار أحلامه بسهولة ووضوح.

كتب هالبرن قائلًا لكارل يونج إنّ “تحليل عالِمٍ رائدٍ في فيزياء الكمّ، صادف أنه كان يواجه أحلامًا معقّدة، استطاع تذكّرها بوضوح، كان إنجازًا كبيرًا”. أما باولي، فدفعته هذه اللقاءات إلى التفكير في ضرورة وجود نظرية موحّدة لكل مِن المادة، والعقل. (كان باولي قد باشر عمله البارز حول ميكانيكا الكمّ في عشرينيات القرن الماضي، بما في ذلك صياغته لمبدأ “الاستبعاد” Exclusion، الذي يفسر سبب استقرار المادة العادية، وكونها تحتل حيزًا مكانيًّا).

يرتكز كتاب هالبرن على الخلاف بين الحدس البشري القائل بوجود روابط راسخة في الكون، والتفسير العلمي لهذه الروابط. يأسر الكاتب انتباه القارئ، بدايةً من حديثه عن الفلسفة اليونانية، وصولًا إلى الفيزياء الحديثة – من أطروحات أفلاطون، وأمبادوقليس، ويوهانس كبلر، وجاليليو جاليلي، وإسحاق نيوتن، وجميس كليرك ماكسويل وغيرهم، ووصولاً إلى نظرية النسبية وميكانيكا الكمّ – مقدِّمًا الحجج على إمكانية وجود روابط بلا علاقة سببية. وفي الخاتمة، يستعرض الكاتب أحدث تجارب العصر الحديث حول مبدأ التشابك، بما في ذلك الأقمار الصناعية، ويتطرق إلى الأطروحات النظرية المعقدة التي تربط التشابك بطبيعة الزمان والمكان. صحيح أن القصص الواردة في الكتاب شائعة، لكنّ هالبرن قصد أن يمنحها بُعدًا جديدًا، فعلى سبيل المثال، قدّمت فرضية عالِم الفيزياء الألماني ماكس بلانك في عام 1900 حلًّا للغز الإشعاع الصادر من جسم أسود، حين قال إن الطاقة تنبعث في هيئة “وحدات كَمّ” quanta -وهي وحدات أصغر ما تكون من الطاقة، بحيث لا يمكن انقسامها. أما هالبرن، فيوضّح هذه النظرية بصورة بالغة الدلالة باستخدام كوب شاي قاتم السواد، مزوّد بغطاء يُسخَّن في ميكروويف عند حرارة 100 درجة مئوية. تنبّأت النظريات السابقة لنظرية الكمّ –على نحو يصعب استيعابه- أن تجربةً كهذه ستكون مصدرًا لإشعاعات أيونية عالية التردد، وخطرة. وأوضح بلانك أن المعالجة الكمية  تقلل -بل وتمنع- الطاقة المنبعثة عند ترددات عالية. وهذه الأفكار كانت النواة الأولى لميكانيكا الكَمّ، وهي التي تفسر السبب الذي يجعلنا نرشف الشاي الساخن، دون أن نصاب بحروق إشعاعية. ورغم تلك الروايات، قد يصعب فهم بعض أجزاء الكتاب لمن ليسوا على دراية بهذه المفاهيم.

قوانين الحفظ

أحد المداخل الرئيسة لفهم الارتباطات اللاسببية، التي لا تحظى عادةً بالقدر الكافي من الاهتمام، هو إسهامات عالمة الرياضيات الألمانية أماليا “إيمي” نوتير، وهي إحدى الشخصيات المهمة التي يتطرق إليها كتاب “التزامن”. ففي مطلع القرن العشرين، ذكرت نوتير أن التناظر في الكون وقوانين الحفظ وجهان لعملة واحدة. وعلى سبيل المثال، ثمة تناظر دوراني لعجلة درّاجة هوائية دوّارة؛ أي أن دورانها حول محورها لا يغيِّر العجلة.

والحفاظ على الزخم الزاوي يحدث نتيجة التناظر الدوراني. وبدورها، تؤثر قوانين الحفظ على الظواهر اللاسببية طويلة المدى. فالزخم الزاوي لجزيئين منبعثين من التفاعل نفسه سيُحفظ، حتى لو انتهى الجزيئان على بعد كيلومترات عن أحدهما الآخر. ويؤدي ذلك إلى حدوث ارتباطات في خصائصهما القابلة للقياس.

وكانت الحكايات التي يسردها هالبرن عن شخصياته هي ما يميز الكتاب، بل وحتى أكثر من الفيزياء نفسها. ومِن الصادم مثلًا أن نقرأ كيف كان باولي، وعالِم الرياضيات الألماني باسكوال يوردان (أحد الروّاد الذين أسهموا في نظريات ميكانيكا الكم) مهتمَّيْن بعِلْم ما وراء النفس. فقد كان يوردان مولعًا بتجارب عالِم النبات الأمريكي جوزيف بانكس راين، الذي زعم أن بعض الناس لديهم ملكة قراءة العقول وتخمين الصور على بطاقات مخفية بمعدل يفوق معدلات الصدفة. أما باولي، فقد “كان ميالًا إلى الأفكار الخاصة بعلم الأعداد، وعالم ما وراء الطبيعة، وهو اهتمام ترسّخ لديه خلال تعامله مع كارل جوستاف يونج”، كما سطر هالبرن في كتابه. وإنْ دل ذلك على شيء، فإنما يدل على أنه حتى أكثر الأشخاص تعقلًا قد يخيبون ظنوننا عندما يكونون في مواجهةٍ مع أغوار النفس البشرية.

ومِن الصادم أيضًا أن نرى تلك الجوانب الباهتة في شخصيتَي باولي، والفيزيائي الألماني فيرنر هايزنبرج. فبعد أن أصبح سحر الشباب وطاقته – وجوائز نوبل التي حصلا عليها – شيئًا من الماضي، واجه الاثنان صعوبة في البقاء تحت الأضواء. وفي وقت متأخر من حياتهما المهنية، توصَّلا إلى فكرةٍ عن وجود مجال واحد “تندمج منه كل أشكال المادة، والطاقة، والتفاعلات الطبيعية، باعتبارها حالات خاصة”. وعندما طرح باولي هذه النظرية المنقوصة في أحد مؤتمرات الجمعية الفيزيائية الأمريكية في عام 1985، قوبلت الفكرة بالسخرية.

بدأ هايزنبرج في الترويج لعمله في ألمانيا، وهو ما أزعج باولي، الذي كتب إلى أحد طلابه يسأله إذا كان قد سمع عن “إعلان هايزنبرج في الإذاعة والصحف، وهو يتقمّص دور أينشتاين عصره، وفاوست عصره، والإنسان الخارق، أم لا؟ يبدو أن نهمه للحصول على الاهتمام لا ينضب”. أما ألبرت أينشتاين، فقد قضى السنوات الأخيرة من حياته في محاولة التوفيق بين نظرية النسبية، وميكانيكا الكم، لكنّ مذهبه كان مفعمًا بالجَمال.

في الجزء الثاني من الكتاب، تتآلف الروابط بين العناصر والشخصيات التي تبدو في ظاهرها متباينة، ما يعكس أصداء ممتعة للقصة. وعلى سبيل المثال، تستدعي محاولات هايزنبرج وباولي فكرة أفلاطون عن عالَم أبديّ يجمع الأشياء المثالية التي تكمن وراء الواقع الذي نراه. وسواء أكان ذلك صوابًا، أم خطأً، فمع وجود الكثير مما لم يُكشَف عنه بعد حول طريقة عمل الكون، لن تختفي تلك الغواية المحيطة بفكرة الروابط اللاسببية.

آنيل أنانثاسوامي

حاصل على زمالة برنامج نايت ساينس للصحافة في 2019-2020 من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، ومؤلف كتاب “عبور بابين مرة واحدة” Through Two Doors at Once.

البريد الإلكتروني: anil@nasw.org