إساءة معاملة الأطفال وإهمالهم: دليل جديد على أنها يمكن أن تسبب مشاكل للصحة العقلية

دراستنا هي الأولى التي تُظهر أن سوء المعاملة في مرحلة الطفولة، على الأقل جزئياً، يتسبب في ضعف الصحة العقلية.
Master1305 / Shutterstock

فارون وارييه، جامعة كامبريدج؛ شارلوت سيسيل, جامعة ايراسموس المركز الطبي, ومارينوس فان ايزندورن, جامعة كامبريدج

ليس من المستغرب أن نعلم أن الأشخاص الذين يعانون من سوء المعاملة في مرحلة الطفولة – مثل سوء المعاملة أو الإهمال – هم أكثر عرضة للإبلاغ عن سوء الصحة البدنية والعقلية. ويمكن تفسير ذلك بأي عدد من الأسباب، بما في ذلك العوامل الاجتماعية، مثل فقر الأسرة،أو العوامل الوراثية جزئياً، مثل سوء الصحة العقلية للوالدين،والتي قد تؤدي جميعها إلى إساءة معاملة الأطفال وضعف صحتهم. ولكن حتى الآن، أظهرت الدراسات وجود صلة بين الاثنين فقط. لم يُظهر أي منها في الواقع أن سوء معاملة الأطفال يؤدي بشكل مباشر إلى تدهور الصحة العقلية والبدنية.

وقد أراد فريق البحث لدينا معرفة ما إذا كان سوء المعاملة في مرحلة الطفولة يسبب مباشرة سوء الصحة العقلية والبدنية. إحدى الطرق للبحث في هذا هو استخدام علم الوراثة. في البداية، جمعنا بين البيانات حول سوء معاملة الأطفال مع البيانات الوراثية في أكثر من 180،000 شخص. وهذا ما سمح لنا بالتحقق مما إذا كانت الاختلافات في تجربة الناس لسوء معاملة الأطفال مرتبطة بالاختلافات الوراثية لديهم.

وقد وجدنا أن حوالي 9٪ فقط من تجارب سوء معاملة الأطفال هذه مرتبطة بالوراثة. لكن هذا لا يعني أن الوراثة هي سبب لممارسةسوء معاملة الأطفال ، كما سنرى لاحقاً. وهذا لا يعني أيضًا أن اللوم يقع على الطف ، أو أنه لا يمكن الحد من سوء المعاملة في مرحلة الطفولة بغض النظر عن الجينات الوراثية للطفل. ويعكس المؤشر الجيني البيئة التي ينمو فيها الطفل ويُظهر مدى أهمية البيئة (مثل الظروف التي ينشأ فيها الطفل) كعامل خطر معروف وقابل للاصلاح لمعالجة سوء المعاملة في مرحلة الطفولة.

الترابط الجيني والبيئة

إن الأطفال ليسوا مسؤولين عن التعرض لسوء المعاملة – فكيف يمكن أن تكون دراستنا قد حددت مكوناً وراثياً مرتبطاً بممارسة إساءة معاملة الأطفال؟

المؤشر الجيني التي وجدناه هو انعكاس للبيئة التي نشأ فيها المشاركون من خلال آلية تسمى الترابط الجيني والبيئة. ويشير الترابط الجيني البيئي إلى أن الجينات الوراثية للشخص تؤثر على كيفية تفاعله مع بيئته – وبالتالي كيفية تفاعل بيئته (بما في ذلك الأصدقاء والعائلة) معه.

على سبيل المثال، قد يتعرض الطفل القصير القامة للتنمر بسبب طوله. وبالنظر الى أن الطول وراثي إلى حد كبير، فقد ترتبط جينات الطول بالتنمر. لذا فإن جينات الطول لا تسبب التنمر في الواقع، ولكن البيئة التي ينشأ فيها الطفل (حيث يُنظر إلى قصر القامة بشكل سلبي).

ولفهم الترابط الجيني والبيئة في سوء معاملة الأطفال، قمنا بالتحقيق في الاختلافات في تجارب سوء المعاملة بين الأشقاء وداخل العائلات. فوجدنا أن سلوك الوالدين، وسلوك الطفل واستجابة أحد الوالدين لهذا السلوك كلها عوامل مهمة في سوء المعاملة في مرحلة الطفولة. وعلى سبيل المثال، إن الأطفال الذين يعانون من فرط النشاط، والذي يعتبر وراثياً جزئياً، قد يكونون أكثر عرضة لسوء المعاملة العقابية بسبب عدم التوافق بين توقعات الوالدين وسلوك الطفل الفعلي. وهذا يشير إلى أننا بحاجة إلى تدخلات أفضل لمعالجة ديناميات الأسرة المعقدة لمنع سوء المعاملة.

الصحة العقلية

بعد تحديد المكون الجيني المرتبط بتعرض الأطفال لسوء المعاملة، كانت الخطوة التالية هي إثبات ما إذا كان سوء معاملة الأطفال يسبب بالفعل ضعفاً في الصحة. وللقيام بذلك، استخدمنا طريقة تم تطويرها مؤخراً تسمىالتوزيع العشوائي المندلي Mendelian randomisation.

عادة ، عندما يريد الباحثون إثبات السببية، فإننا نستخدم التجارب العشوائية ضمن الضوابط. وتقوم هذه التجارب بتوزيع الأشخاص بشكل عشوائي على مجموعات لإثبات ما إذا كان A (في هذه الحالة، سوء معاملة الأطفال) يسبب B (صحة سيئة).

ولكن للتحقق في ما إذا كان سوء المعاملة في مرحلة الطفولة يسبب ظروفاً صحية باستخدام هذه الطريقة، سيتعين على الباحثين تقسيم الأطفال عشوائياً إلى مجموعتين، حيث ستتعرض مجموعة واحدة لسوء المعاملة. وسيحتاج الباحثون بعد ذلك إلى الانتظار لعدة سنوات لمعرفة ما إذا كانت هذه المجموعة أكثر عرضة للإصابة بحالات صحية. ومع ذلك، فإن هذا غير أخلاقي للغاية ولا يمكن القيام به.

بدلاً من ذلك، يقسم التوزيع العشوائي المندلي الأشخاص عشوائياً إلى مجموعات بناءً على جيناتهم – يتصرفون بشكل مشابه لتجربة عشوائية محكومة. وبمعنى آخر، استخدمنا المتغيرات الجينية المرتبطة بتجربة سوء المعاملة في مرحلة الطفولة كبديل لسوء المعاملة.

عامل مختبر يرتدي قفازات زرقاء يحمل قطعاً من الورق لشخص في إحدى يديه ولولب الحمض النووي الورقي في اليد الأخرى.
حيث تؤكد أبحاثنا ما توصلت له الدراسات السابقة.
ADragan / Shutterstock

وباستخدام هذه الطريقة، وجدنا أن الأشخاص الذين حصلوا على درجات أعلى في المؤشرات الوراثية لسوء معاملة الأطفال كانوا أيضاً أكثر عرضة للإصابة بمشاكل الصحة العقلية، بما في ذلك الاكتئاب، واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD) والفصام. إن هذه النتائج لا تؤكد فقط النتائج السابقة منالدراسات الوبائية التي أظهرت روابط بين الاثنين، ولكنها تقدم أيضاً دليلاً على أن سوء معاملة الأطفال، جزئياً على الأقل، يتسبب في ضعف الصحة العقلية.

ولم نعثر على دليل يشير إلى أن التعرض لسوء المعاملة في مرحلة الطفولة هو سبب لحالات صحية جسدية لاحقة، مثل مرض السكري من النوع 2 أو مرض الشريان التاجي.

العشوائية المندلية لا تخلو من القيود. أولاً، إن كل من سوء المعاملة في مرحلة الطفولة وحالات الصحة العقلية معقدة وراثياً. فقد يكون لتجربة أنواع مختلفة من سوء المعاملة وفي مراحل مختلفة من الطفولة تأثيرات مختلفة على الصحة العقلية. ومع ذلك، فهي واحدة من أفضل الطرق التي نستخدمها حالياً لإثبات العلاقة السببية دون التلاعب التجريبي.

في النهاية، يُظهر بحثنا أنه يمكن استخدام علم الوراثة كأداة للإجابة على الأسئلة حول دور البيئة في العديد من الظروف الصحية، بما في ذلك تلك التي يصعب – أو حتى المستحيل – معالجتها فقط باستخدام أنواع أخرى من الدراسة. وتسلط النتائج التي توصلنا إليها الضوء أيضاً على الحاجة الملحة لاتخاذ تدابير وقائية أفضل لحماية الأطفال المعرضين لخطر سوء المعاملة – والتي من شأنها أيضاً أن تقلل من مخاطر الإصابة بأمراض الصحة العقلية في وقت لاحق من الحياة.المحادثة

فارون وارييه، دكتوراه عالم، جامعة كامبريدج؛ شارلوت سيسيل، أستاذة مساعدة، علم الأمراض النفسية البيولوجية، المركز الطبي لجامعة إيراسموس، ومارينوس فان ايزندورن، زميل زائر أقدم فخري للرعاية الأولية، جامعة كامبريدج

يتم إعادة نشر هذه المقالة من شبكة The Conversation تحت ترخيص المشاع الإبداعي. قراءة المادة الأصلية.

%d مدونون معجبون بهذه: