البكتيريا تقوم “بتعديل” جيناتها لتطوير مقاومة المضادات الحيوية عند الطلب

لوقف مقاومة المضادات الحيوية، يحتاج العلماء إلى معرفة كيف تصبح البكتيريا مقاومة.
Jarun Ontakrai/ Shutterstock

سيليا سوك، جامعة أكسفورد

تشكل مقاومة المضادات الحيوية – قدرة البكتيريا الضارة على البقاء على قيد الحياة عند العلاج بالمضادات الحيوية – تهديداً متزايداً. إن ذلك يجعل من الصعب علاج الالتهابات التي تهدد الحياة، بما في ذلك السل، و MRSA، والسيلان – ويزيد من مخاطر حتى العمليات الجراحية البسيطة.

ومن أجل حل مشكلة مقاومة المضادات الحيوية، يجب على الباحثين في البداية فهم كيفية إيقاف المقاومة من الحدوث. وقد ساعدت دراسة حديثة أجريتها مع زملائي في جامعة أكسفورد في زيادة هذا الفهم من خلال إظهار أن البكتيريا تستطيع بذكاء إعادة ترتيب جيناتها من أجل تجنب تأثيرات المضادات الحيوية.

للبكتيريا طرق متعددة لتطوير المقاومة. فهي يمكن أن تتحور لمنع المضادات الحيوية من استهدافها، وهو ما يمكن القيام به عن طريق تعديل البروتينات داخل الخلية حيث تعمل المضادات الحيوية. كما يمكنها أيضاً اكتساب الجينات التي تساعدها على إنتاج جزيئات مدمرة للمضادات الحيوية تسمى الإنزيمات.

ومع ذلك، فإن كل هذه الاستراتيجيات تحمل تكلفة للبكتيريا المقاومة. حيث ان إنتاج أنزيمات المقاومة يتطلب الكثير من الطاقة. ولا يمكن للبروتينات المعدلة أيضاً أن تعمل بشكل فعال كما كانت من قبل. ويعمل هذان العاملان على إعاقة البكتيريا بشدة، ويجعلانها تتكاثر بشكل أبطأ مما لو كانت المضادات الحيوية غير موجودة. ويؤدي هذا إلى خسارة البكتيريا المقاومة للمنافسة ضد البكتيريا الأخرى على العناصر الغذائية الثمينة والموارد، مما يهدد بقائها على قيد الحياة.

رسم تخطيطي يوضح كيف تسمح المقاومة للبكتيريا بالبقاء على قيد الحياة للمضادات الحيوية ولكنها تحد من قدرتها على النمو في حالة عدم وجود المضادات الحيوية
تكلفة مقاومة المضادات الحيوية.
Célia Souque

ولكن البكتيريا المقاومة وجدت طريقة لتصبح مقاومة للمضادات الحيوية مع الحد من التكاليف المرتبطة بها. فقد أظهرت دراستي الأخيرة كيف أن إحدى هذه الآليات، التي تتضمن شيئاً يعرف باسم الأنتغرون، حيث تزود البكتيريا بإمكانية مذهلة لاكتساب مستويات عالية من المقاومة مع تقليل تكلفة طاقتها. إن هذا يجعل من السهل على البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية البقاء على قيد الحياة والازدهار.

إن الانتغرونات (Integrons) هي أجزاء من الحمض النووي، فريدة من نوعها للبكتيريا، والتي تسمح للبكتيريا بتخزين الجينات التي تكتسبها من البكتيريا المقاومة الأخرى. حيث تصطف جينات المقاومة هذه في جينوم البكتيريا واحداً تلو الآخر لتشكل “مصفوفات”. إن موضع الجينات في المصفوفة له تأثير كبير على مستويات مقاومة البكتيريا.

ويتم التعبير عن الجينات الموجودة في بداية المصفوفة بشكل كبير (بمعنى أنه يتم استخدامها بنشاط) وتوفر مستويات عالية من المقاومة. بينما تبقى الجينات الموجودة في الخلف صامتة ويمكن حفظها بتكلفة منخفضة، مما يقلل من تأثيرها على البكتيريا.

كيف تعمل الإنتغرونات (integrons).

علاوة على ذلك، تأتي الإنتغرونات بخدعة رائعة: إنزيم، يُدعى Integrase، يسمح للبكتيريا بقطع وتحريك الجينات في المصفوفة عندما تكون البكتيريا في خطر. حيث يُعتقد أن انزيم integrase هذا يزود البكتيريا بالقدرة على “تبديل” ترتيب جيناتها، مما يسمح للبكتيريا بتعديل مستويات مقاومتها عند الطلب. وكانت دراستنا أول من اختبر هذه الفرضية.

ولكي نرى كيف يمكن أن تكون الإنتغرونات مفيدة للبكتيريا، قمنا ببناء الإنتغرونات المعتادة في المختبر والتي تحتوي على جين مقاومة مناسب في الموضع الأخير. وقد صُنع البعض ليكون لديها إنزيم integrase مختلاً وظيفياً، مما يمنعها من القدرة على تحريك جيناتها. وقد سمح لنا هذا بقياس تأثير تعديل الجينات على مقاومة المضادات الحيوية.

ثم استخدمنا نهجاً يسمى التطور التجريبي حيث تحدينا البكتيريا بجرعات متزايدة من المضادات الحيوية ولاحظنا مدة بقائها على قيد الحياة. لقد سمحت لنا هذه التقنية بقياس مدى جودة البكتيريا في تطوير المقاومة بشكل مباشر.

مثال على التطور التجريبي في العمل.

لقد أظهرنا أن البكتيريا التي يمكن أن تغير جيناتها عاشت لفترة أطول وطوّرت مقاومة بشكل متكرر أكثر من تلك التي لم تستطع ذلك. كما يوضح هذا كيف يمكن للانتغرونات (integrons) أن تساعد البكتيريا على تطوير مستويات عالية من مقاومة المضادات الحيوية استجابةً للعلاج بالمضادات الحيوية.

ومن المثير للاهتمام أن هذا التعديل غالباً ما كان مرتبطاً بفقدان جينات المقاومة الأخرى الموجودة في البكتيريا. فمن خلال تبديل الجينات لتصبح مقاومة ضد المضادات الحيوية التي اخترناها، فقدت البكتيريا بعض جيناتها المقاومة الأخرى في هذه العملية – مرة أخرى أصبحت عرضة لهذه المضادات الحيوية الأخرى.

الاستراتيجيات الجديدة

وتوفر نتائج دراستنا إستراتيجيات محتملة للتصدي للانتغرونات (integrons) ودورها في تطوير المقاومة. على سبيل المثال، يمكن دمج المضادات الحيوية مع الأدوية التي يمكن أن تثبط الإنزيم integrase لتقليل تعديل الجينات. إن الأدوية التي توقف “استجابة SOS” للبكتيريا – آخر رد فعل للبكتيريا على المضادات الحيوية – ستحد أيضاً من تعديل الانتغرون كذلك. إن ما يسمى بالعقاقير “المضادة للتطور”، والتي لا تقتل البكتيريا بشكل مباشر ولكنها تساعد في منع تطور المقاومة، هي حاليًا مجال نشط للبحث.

وقد يكون البديل الآخر هو استغلال تعديل الانتغرون لتعزيز فقدان جينات المقاومة من خلال دورة مضادات حيوية مختلفة. وهذا من شأنه أن يوجه تطور البكتيريا بطريقة تجعلها حساسة للمضادات الحيوية التي لم تكن صالحة للاستعمال من قبل.

لقد تطورت الانتغرونات Integrons لأول مرة منذ ملايين السنين. ولكنها وجدت نفسها الآن آلية مناسبة بشكل فريد للبكتيريا للتكيف مع استخدام المضادات الحيوية من قبل البشر، وتطوير المقاومة لها.

وعلى الرغم من أن المضادات الحيوية تنقذ أرواحاً لا تعد ولا تحصى كل عام، إلا أنه يجب أيضاً استخدامها بعناية لتجنب انتشار البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية والامراض. وسيسمح لنا الفهم الأفضل لكيفية تطوير البكتيريا للمقاومة بتحسين كيفية استخدامنا للمضادات الحيوية الحالية، بالإضافة إلى تلك المضادات الحيوية التي سنطورها في المستقبل.المحادثة

سيليا سوك ،باحثة ما بعد الدكتوراه، علم الأحياء المجهرية، جامعة أكسفورد

يتم إعادة نشر هذه المقالة من شبكة The Conversation تحت ترخيص المشاع الإبداعي. قراءة المادة الأصلية.

%d مدونون معجبون بهذه: